أبو الليث السمرقندي
640
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم رجع إلى أهل الهجرة ورغبهم فيها فقال : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني : يوسع على من يشاء مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ يعني : ويقتر لمن يشاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من البسط والتقتير . قوله عز وجل : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها يعني : من بعد يبسها وقحطها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على إقرارهم بذلك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ توحيد ربهم ، وهم مقرون باللّه عز وجل خالق هذه الأشياء . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 64 إلى 69 ] وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) قوله عز وجل : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ يعني : باطل وَلَعِبٌ كلعب الصبيان ، ولهو كلهو الشبان . ويقال : فرح لا يبقى للخلق ولا يبقى فيها إلا العمل الصالح . روى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ الدّنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر اللّه تعالى وما والاها أو عالما أو متعلما » وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه مرّ بسخلة ميتة فقال : « والّذي نفسي بيده للدّنيا على اللّه أهون من هذه السّخلة على أهلها » وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يعني : هي دار الحياة لا موت فيها لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يعني : لو كانوا يصدقون بثواب اللّه عز وجل . ثم قال : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ يعني : في السفن دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني : موحدين وتركوا دعاء أصنامهم ، ويعلمون أنه لا يجيبهم أحد إلا اللّه تعالى . فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ يعني : إلى القرار إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ به . قوله عز وجل : لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ يعني : ما أعطيناهم من النّعم وَلِيَتَمَتَّعُوا قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع في رواية ورش : وَلِيَتَمَتَّعُوا بكسر اللام ، وقرأ الباقون بالجزم . فمن قرأ بالكسر ، فمعناه : لكي يتمتعوا ، لأن الكلام عطف على ما قبله يعني : يشركون لكي يكفروا ، ولكي يتمتعوا في الدنيا . ومن قرأ بالجزم فهو على معنى التهديد والتوبيخ بلفظ الأمر ، وتشهد له قراءة أبيّ كان يقرأ تمتعوا فسوف تعلمون ومعناه وليتمتعوا ، يعني : وليعيشوا فسوف يعلمون إذا نزل بهم العذاب . ثمّ قال عز وجل : أَ وَلَمْ يَرَوْا يعني : أو لم يعلموا ليعتبروا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً